التهجير القسري الممتد واقتدار الأسرة
إعداد: د. ليلى حسين صالح
مقدمة
في ظل استمرار الظروف القاسية الناتجة عن الحرب الإسرائيلية على لبنان، والتي تسببت في التهجير القسري، البطالة، فقدان المأوى، والضغوط النفسية الهائلة، وفي ظل الغياب شبه التام لدعم السلطات المحلية شعرت الأسر بأنها تُواجه مصيرها بمفردها؛ تتحول الحوكمة العائلية والمجتمعية من "ترف إداري واقتصادي" إلى آلية بقاء وخط دفاع أول لحماية كيان الأسرة واستمرارها، فهي المقوم الأول من مقومات القوة المجتمعية في الصمود والثبات وحفظ الهوية والأوطان في مشروع حضاري نهضوي.
قد يتطلب مقاربة "النظام الديموغرافي الجديد للمنطقة بعد حرب رمضان" انتهاء الحرب وعودة الحياة الطبيعة، من أجل تفكيك المتغيرات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية التي أفرزتها الحرب، الاّ أننا وما زلنا في ارهاصات الحرب، والاعتداءات اليومية بل اللحظية على جنوب لبنان، والتي تهدد بالتوسع، ما يعكس امتداد النزوح. لذا سنتعرض لمؤشرات بيانية ونحللها في هذه المحاضرة التي هي من الندوات التمهيدية التخصصية الحادیة والاربعون تحت عنوان:
التهجير القسري الممتد من جنوب لبنان منذ حرب رمضان كدراسة أولية لمقاربة اقتدار الأسرة في مواجهة تحديات التهجير القسري الممتد، وتبني توصيات للجهات المعنية للمساهمة في دعم هذا الاقتدار.
وبالرغم من أن هذا النظام الديموغرافي الناشئ يفرض نفسه في كل ساحات التوتر في محور المقاومة، من غزة، مروراً بلبنان، وصولاً لإيران بالأخص (مناطق مضييق هرمز). إلا أننا في هذه الورقة البحثية سنتناول "منطقة جنوب لبنان" الذي يعيش اليوم تحول بنيوي عميق في جغرافيته السكانية، منذ توقيع "اتفاق الإطار" وما تبعه من احتلال العدو لأراضٍ لم يدخلها بالميدان تحت ذريعة المناطق التجريبية التي وافقت عليها السلطة اللبنانية، في ظل التزام المقاومة باتفاق "اسلام أباد" الذي فرض معادلة ردع حيدت بيروت والضاحية من الاستهداف الإسرائيلي، مقابل تنصل العدو من الالتزام باتفاقيات المبرمة واستمراره بالعدوان والتوسع والاحتلال. كما يرجع اختيار منطقة جنوب لبنان والبلديات الحدودية لدوافع شخصية جهادية تعود لانتمائي إلى هذه جبل عامل الصامد تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً في وجه الغزاة، إلى جانب دوافع بحثية حيث أصبحت هذه المنطقة مختبر واقعي لدراسة "التهجير القسري الممتد".
هنا تبرز أهمية "حوكمة السكان" كأداة استراتيجية للصمود والثبات وصياغة مجتمعات المستقبل. التي تبدأ بإعادة إعمار المجتمعات بعد الحرب، وإدارة الهجرات العكسية، مع ما تتطلبه من استيعاب التحولات السلوكية في مفهوم "الأسرة"، من تغير الخصائص السلوكية للأسرة، إلى إعادة هندسة التوزع الديموغرافي في مناطق النزوح نتيجة الحرب. والأهم هو التعامل مع جيل جديد ينشأ في ظروف الحرب، حيث أن فهم هذه الديناميكيات يعتبر الخطوة الأولى نحو بناء سياسات سكانية مرنة قادرة على تحويل التحديات الديموغرافية الراهنة إلى فرص للصمود والثبات الذي يؤدي إلى الاستقرار والتنمية المستدامة في المستقبل. وهذا يتطلب منا تبني منهجية مختلطة من الكم والكيف وفق الخطوات التالية:
تحديد المشكلة ⬅ جمع البيانات الإحصائية (كمية) ⬅ مقابلات (كيفية)⬅ التحليل والمقارنة ⬅ توصيات
المنهج المستخدم:
• المنهج الوصفي التحليلي: الذي يساهم في وصف الواقع الديموغرافي الحالي وتحليل أسباب وتداعيات التحولات السكانية بعد الحرب.
• المنهج الاستشرافي (Prospective Approach وهو الأهم، حيث يهدف إلى التنبؤ بالسيناريوهات المستقبلية لنمو السكان والأسرة في أفق (2030-2050) وموقعها في بناء مقومات القوة المجتمعية واقتداره المادي والمعنوي والمرجعية القرآنية لهذا الاقتدار لنبني عليه خطط حوكمة الأسرة مستقبلاً.
تحديد المشكلة:
تنتج الحروب الكبرى تحولاً بنيوياً في مسيرة المجتمعات، فلا يقتصر أثرها على الخرائط السياسية والتحالفات العسكرية فحسب، بل يمتد هذا التحول ليعيد تشكيل "الخريطة البشرية" أو ما يُعرف بالبنية الديموغرافية. وإن "حرب رمضان" لم تقتصر مآلاتها إلى تغيير موازين القوى العسكرية والسياسية في منطقة غرب آسيا فحسب، بل خلف ارتداداتها وضع المنطقة أمام واقع سكاني جديد فرضته موجات النزوح القسري، أدت إلى تهجير ممتد، أنتج بدوره تغير معدلات الخصوبة والوفيات، واختلال التوازن العددي والنوعي في مجتمعات المواجهة واللجوء على حد سواء، إلى التداعيات النفسية والاقتصادية وارتداداتها على التماسك والتفكك الأسري.
والأسرة بمنظورنا ليست مجرد إطار اجتماعي يجمع أفراداً تربطهم صلة القرابة، وإنما هي منظومة نفسية واجتماعية متكاملة تؤثر بصورة مباشرة في تكوين شخصية الفرد وفي مستوى شعوره بالأمان والانتماء والاستقرار، كما تؤثر بشكل طردي وعكسي في بناء مجتمع مستقر ومقتدر قادر على مواجهة التحديات بل تحويلها إلى فرص لولادة المبادرات الاجتماعية التي تنطلق من المنظومة القيمية الأخلاقية لهذا المجتمع، فتنتج ظواهر اجتماعية من الثبات في الموقف الذي يبني الاستقرار النسبي النفسي. فالصحة النفسية الأسرية في علم النفس الاجتماعي لا يعني غياب الاضطرابات النفسية، إنما تشير إلى حالة من التوازن النفسي والاجتماعي تساعد الفرد على فهم ذاته، والتعامل مع مشاعره، وبناء علاقات إيجابية، في مواجهة ضغوط الحياة بصورة مناسبة، ولاسيما الحروب وارتداداتها من تشرد ونزوح.
وقبل الولوج في دراسة نموذج لبنان، لا بد بداية أن نقف عند مصطلح التهجير وتميزه عن مصطلح النزوح، ودلالة المفهوم هو ما ينطبع في الذهن، فالنزوح هو "هروب واضطرار" يختاره الشخص كخيار وحيد للنجاة من خطر عام، وينزح داخل وطنه بانتظار رجوعه بفترة زمنية قصيرة، بينما التهجير هو "طرد وإكراه" يُفرض على الشخص فرضاً بقرار من جهة مسيطرة، وغالباً ما يكون لفترة طويلة تداعياتها تنتج تحولات بنيوية، لهذا سنستخدم مصطلح النزوح أثناء "حرب رمضان" من المناطق التي تم استهدافها حرب رمضان، فيما التهجير القسري يقصد به التهجير الممتد من المناطق الحدودية الجنوبية.
لبنان نموذج الدراسة
يستغل "الكيان المؤقت" التنازلات التفاوضية للسلطة اللبنانية، لتغطية جرائمه الموصوفة بتدمير البيوت والبنى التحتية والمدنية، إلى عمليات التجريف وقلع الأشجار، للقضاء على كل البنى الحياتيةـ لفرض واقع متوتر دائم على الأرض، واقع يقوم على فصل الجغرافيا عن الديموغرافيا وتحويل جنوب نهر الليطاني والزهراني إلى فضاء عقيم عسكرياً وسكانياً، ما يعني تجاوز العدوان الإسرائيلي المستمر الأهداف العسكرية التقليدية ليدخل في طور "هندسة ديموغرافية وجيوسياسية ممنهجة يفرضها على لبنان"..الذي هو جزء عملياتي من مشروعها التوسعي التلمودي(الإيدلوجي) "إسرائيل الكبرى".
بالتالي تتمحور المشكلة حول تحدي الحوكمة السكانية في صمودها أمام التفكك الأسري والوطني في بيئة تعرضت لخلل ديموغرافي قسري وبنيوي؛ حيث تسببت الحرب في تهجير جماعي غيّرَ جغرافية توزيع السكان في لبنان، بالتوازي مع تدمير واسع النطاق للمستقرات البشرية والمصادر الاقتصادية للأسرة.
وبالرغم من أن تفاهم "اسلام أباد" بين إيران وأمريكا في منتصف عام 2026 قد أثمر عن تراجع واسع لوتيرة العمليات العسكرية في لبنان، وأسس لمعادلة ردع مع العدو الصهيوني ميدانية وسياسية، رسمت قواعد اشتباك جديدة أرست إلى تحييد بيروت والضاحية مقابل تحييد "تل أبيب". ما أتاح العودة إلى الضاحية وبيروت وأجزاء من الجنوب، الذي شهد عودة واسعة في الأجزاء غير المحتلة بشكل مباشر، وباستمرار العدوان الذي يهدد ويطال القرى الجنوبية تحت الذرائع الإسرائيلية – وإن كان لا يحتاج إلى ذرائع في العدوان- أتى تواطؤ السلطة اللبنانية في الموافقة على بنود "اتفاق الإطار" بعدم مقاضاة العدو الصهيوني على جرائمه بحق اللبنانية، كما قبولها ببند حرية الحركة الإسرائيلية في المناطق التجريبية من طرف واحد، إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وتوسع رقعة احتلال أراضٍ لم تصلها في الحرب، فقد توسّعت السيطرة الإسرائيلية في جنوب لبنان في 8 قرى وبلدات، توغّل جيشها فيها، أو فرض سيطرة نارية عليها وأخلاها من سكانها، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، بموازاة أعمال تجريف ونسف وتفجيرات متواصلة في المنطقة المحتلة.
وبمعزل عن المسارات والنصوص التي «لا تقيم إسرائيل وزناً لها»، وفقاً للمصادر اللبنانية، فقد توسع العدو الصهيوني في ثماني قرى على الأقل خارج الخط الأصفر، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، سواء بالتوغل الميداني أو بالسيطرة النارية والتفجيرات. حيث وثقت مصادر أمنية لبنانية هذه التوغلات وأعمال التفجير في قرى لم تكن "القوات الإسرائيلية" قد فرضت سيطرتها عليها خلال العمليات العسكرية والمواجهات مع المقاومة. وتتوزع هذه التوغلات على القطاعات التالية:
القطاع الشرقي:
I. كفر تبنيت: تقع غربي مرتفعات "علي الطاهر" شرق النبطية، وشهدت توغلات ونفذت فيها القوات الإسرائيلية عمليات تفجير وتدمير للمباني والمقار.
II. النبطية الفوقا: بلدة قريبة من مرتفعات "علي الطاهر" فرض عليها سيطرة نارية وحظر تجول بقوة السلاح.
القطاع الأوسط:
I. بيت ياحون: شهدت توغل مباشر بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
II. برعشيت: دخلتها القوات الإسرائيلية مستغلة فترة الهدنة لتوسيع نقاط سيطرتها.
III. حداثا: شملتها التوغلات الميدانية الجديدة في هذا القطاع.
IV. عيتا الجبل: فرضت عليها "قوات الاحتلال" سيطرة نارية مباشرة على أطرافها أدى إلى خلوها من سكانها.
V. شقرا: تم التوغل إلى أطرافها وتحديداً في منطقة "قلعة دوبيه" الأثرية المقاومة، القريبة من وادي السلوقي.
القطاع الغربي:
I. مجدل زون: تم الدخول إليها وتهجير أهلها بالكامل بعد دخول اتفاق فترة من التوغل، بالتوسع ميدانياً بالتزامن مع تفجيرات ضخمة طالت البنية التحتية والمنازل والمقر، وما زالت تتعرض لقصف مدفعي، أحال دون عودة السكان إليها.
II. المنصوري: تم الدخول إليها بعد تعرضها لعمليات تجريف واسعة التي طالت البنى التحتية والمنازل والحقول وما زالت تتعرض للقصف شبه اليومي.
إذن لم يكتفِ الاحتلال الإسرائيلي بفرض سيطرته على القرى الجنوبية، بل يعمد بين الحين والآخر إلى تفجير عدد كبير من المنازل، ويتمحور مستوى الدمار، دمار كلي أو شبه كلي في القرى الحدودية مع فلسطين المحتلة، وقرى شبه مدمّرة، وأضرار متوسطة، وفق إدراجها ضمن منطقة أمنية عازلة، في القطاع الغربي، والأوسط والشرقي لفرض تقسيم جغرافي جديد.
البيانات الإحصائية
وفق بيانات إحصائية رسمية برز تغير بنيوي في الجيوغرافي السياسية يفرضه العدوان على جنوب لبنان أبرزه:
التقسيم الجغرافي الجديد:
المنطقة الأولى : تمتد على امتداد الشريط الحدودي، أي المنطقة العازلة، والتي يُراد لها أن تكون منطقة أمنية يُمنع عودة السكان إليها، وتخضع لسيطرة الاحتلال المباشرة مع حرية حركة كاملة لقواته، حيث تتذرع بحماية منطقة الشمال (المقصود بها المستوطنات الشمالية)، إلا أن الحقائق والوقائع من الخطاب الإسرائيلي الداخلي من الترويج لإعلانات عن استثمارات وبيع أراضٍ لبنانية، إنما يكشف عن خطط تمهد لاستيطان جديد يريد إقامته هذا الكيان المؤقت في الجانب اللبناني، ولا نستبعد أن يكون بموافقة إقليمية ضمن مشاريع اقتصادية استثمارية واسعة "المشروع الأبراهيمي".
المنطقة الثانية (خط القرى الثاني) وتشهد هذه المنطقة دماراً واسعاً مع انتشار للجيش "الإسرائيلي"، إلى جانب مراقبة جوية مستمرة، بحيث تتذعر قوات الاحتلال للتحرك الميداني عند الاشتباه بوجود منشآت أو تحركات للمقاومة، تحت تبرير حرية الحركة العسكرية للعدو الذي وافقت عليه السلطة اللبنانية من طرف واحد هو العدو، وشهدت هذه المناطق مجازر لعائلات كاملة أغلبهم أطفال ونساء منها سلسلة طويلة من المجازر الدموية ضد العائلات "عائلة فرحات في كفرمان التي استشهد منها 12 فرد يمثلون أجيالاً ثلاث متتالية"، جزرة بلدة أنصار (أغسطس 2026): استهدف الاحتلال منزلاً على أطراف بلدة أنصار الجنوبية بغارة جوية عنيفة، مما أسفر عن استشهاد 7 أشخاص من عائلة واحدة، بينهم 3 أطفال، مجزرة بلدة دير الزهراني (أغسطس 2026): بالتزامن مع استهداف بلدة أنصار، أغار الطيران الحربي على بلدة دير الزهراني، مما أدى إلى استشهاد 4 مواطنين وإصابة 17 آخرين بجروح متفاوتة، مجزرة النبطية الفوقا باستهداف مبنى سكني تقطنه عائلات نازحة، ما أدى إلى تدميره ومحو عائلات بأكملها تحت الأنقاض. فهذه القرى تتعرض لاستمرار التهديد بالنزوح القسري بالرغم من ثبات وصمود أهلها في مواجهة كل التحديات بإلعودة إلى قراهم وإعادة الحياة من خلال عودة ترميم المؤسسات الاقتصادية والتربوية والصحية، فقد فتحت ثانوية حسن كامل الصباح الرسمية في النبطية بداية العام الدراسي في مبنى استثنائي بدعم من العائلات بعد تدميره، ما يؤشر إلى إصرار مجتمع المقاومة على الصمود ومواجهة التحديات بأقل الإمكانات المتاحة.
المنطقة الثالثة: القرى الأبعد نسبياً عن الحدود ضمن القطاعات الثلاثة، وهي مناطق تُعد خارج السيطرة المباشرة للاحتلال. وقد شهدت عودة أهلها، كما استقبلت الكثير من العائلات النازحة التي تعذر عليها العودة إلى قراها في القطاعين الأول والثاني، حيث يعتبر هذا النزوح نزوح ثاني لهم بعد الحرب.
محو قرى كاملة عن الخريطة:
تشير الإحصاءات الرسمية إلى أنّ القرى الحدودية الجنوبية مع الكيان المؤقت قد أُفرغت فعلياً من سكّانه، ولا يزال حوالي 412 ألف نازح داخلي غير قادرين على العودة إلى الكثير من القرى في هذه الأقضية بفعل التدمير الممنهج الذي اتخذ عدة أشكال:
دمار كلي أو شبه كلي: الضهيرة، يارين، مروحين، طير حرفا، شيحين، عديسة، كفركلا، مركبا، مارون الرأس، عيتا الشعب، بليدا، راميا، يارون.
قرى شبه مدمّرة: علما الشعب، البياضة، شمع، الجبين، أم التوت، بيت ليف، صفد البطيخ، كونين، برعشيت، حولا، القنطرة، الطيبة، دير سريان، رب ثلاثين، الخيام.
أضرار متوسطة إلى كبيرة: بنت جبيل، تبنين، شقرا، عيناتا، مرجعيون، أرنون، يحمر، كفرتبنيت، والزوطرتين، مع إمكانية إدراج قرى أخرى ضمن هذا التصنيف.
هذه البيانات لا تعتبر بيانات نهائية، فهناك قرى كانت في مستوى الأضرار المتوسطة، وبفعل استمرار الاعتداءات والقصف والتدمير والتجريف اليومي تدخل في عداد قرى الدمار الكلي.
مسح وتقييم أضرار العدوان:
لم تجر السلطة اللبنانية مسحاً شاملاً بالأضرار التي تسبّبت بها الحرب الإسرائيلية على لبنان، ويتم الاعتماد على تقديرات وضعها البنك الدولي. وبالتقييم السريع للأضرار"، أظهر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والمجلس الوطني للبحوث العلمية بين تشرين الأول/أكتوبر 2025 ونيسان/أبريل 2026 أن "إجمالي الأضرار المباشرة في المباني في جنوب لبنان يُقدر بنحو 11 مليار دولار أميركي"، وتم تسجيل "تدمير كامل لـ11,095 مبنى، ما أثر على 17,891 وحدة سكنية"، وما زال "الكيان المؤقت" مستمر بشكل يومي في التفجير والتجريف. ووفق مصدر في جهاد البناء نسبة الوحدات المتضررة السكنية والاقتصادية دون البنى التحية وفق إشعار جهاد البناء يبلغ حوالي 20 مليار دولار.
التحديات التي تحتاج للمعالجة
عودة النازحين:
وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM) ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن حركة العودة سجلت أرقام إجمالي العائدين، أكثر من 821,000 شخص إلى مناطقهم الأصلية (الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية). ونسبة العائدين تسجل بنحو 71% إلى 78% من إجمالي عدد النازحين الذين تخطى عددهم الكلي 1.6 مليون شخص خلال ذروة الصراع. والنازحون المتبقون، حيث لا يزال هناك نحو 360,000 إلى 430,000 نازح لم يتمكنوا من العودة وتختلف هذه النسب بشكل حاد وتتأثر بالواقع الميداني والجغرافي وفق التالي:
الضاحية الجنوبية لبيروت التي شهدت عودةً كثيفة للأهالي بالتزامن مع تراجع وتيرة الغارات وإخلاء مراكز الإيواء والخيم العشوائية في بيروت. ومع ذلك، يبدي بعض السكان حذراً بسبب غياب الضمانات الأمنية الدائمة وبحثهم عن خيارات سكنية أكثر استقراراً خارجها.
قرى صور وقرى النبطية وضواحيها التي تقع خارج نطاق "المنطقة الصفراء" وفق تصنيف العدو، أو خطوط الحظر العسكري، شهدت حركة عودة واسعة جداً، وتميزت تلقائية بالحماسة والسرعة فور الاطمئنان لفرض معادلة الردع التي فرضها اتفاق "اسلام اباد"، بالرغم من وجود عقبات اللوجستية كأضرار البنية التحتية والدمار الجزئي في بعض الأحياء والمباني. والنسبة التقديرية تتراوح بين 75% و90% من سكانها الذين نزحوا مؤقتاً.
القرى الحدودية الجنوبية (جنوب الليطاني): البلدات المتاخمة للحدود و"المنطقة الصفراء" التي تضم نحو 50 بلدة وقرية ومزرعة جنوبية تعرضت لدمار شبه كامل أو تقع ضمن مناطق التحذير والانتشار المباشر، ولا تزال العودة إليها معلّقة جزئياً. ويرجع ذلك إلى استمرار قوات الاحتلال في التمركز ببعض النقاط الحدودية، وتنفيذ عمليات تفجير وهدم للبنى التحتية، فضلاً عن الدمار الهائل الذي يعيق مقومات الحياة الأساسية كالمياه والكهرباء.
فقدان مستندات الملكية والسجلات:
وفقاً لتقرير منظمة الهجرة الدولية- HLP) IOM ) حول حقوق السكن والأرض والملكية في جنوب لبنان، خسرت غالبية الأسر النازحة وثائق ملكية المنازل والأراضي نتيجة الدمار.
استهداف المراكز الصحية:
خروج حوالي 44 مركز رعاية أولية و3 مستشفيات عن الخدمة في الفترات الحرجة، وفق مؤشرات وزارة الصحة العامة اللبنانية المقترنة باستهداف القطاع الصحي وأثر ذلك على صحة الأمهات والحوامل والأطفال الرضع في الجنوب.
تحدي الحوكمة البلدية:
عجز اتحادات بلديات الجنوب (Unions of Municipalities) عن التخطيط الحضري المستدام نتيجة شح الموارد والفساد السلطوي الذي تحكمه سياسة توزيع مناطقي، ما يضطر البلديات إلى الاعتماد الكلي على المانحين الدوليين.
تدمير المعالم التاريخية والتراثية:
يُصنَّف لبنان بين أكثر خمس دول في العالم من حيث كثافة المواقع الأثرية المدرجة في لائحة التراث العالمي، لاسيما قلاعه، وقد أًدراج "قلعة الشقيف" رسمياً في عام 2026 ضمن قائمة التراث العالمي لقيمتها التاريخية والأثرية الاستثنائية، وقم العدو بتدميرها وتفجيرها لمحو معالمها.
كيف واجهت الأسرة التحديات:
الاعتداد بالاقتدار (اقتدار الأسرة)
تشتق لفظة "الاقتدار" في اللغة العربية من الجذر الثلاثي (ق د ر)، الدال على مبلغ الشيء ومقداره، الاّ أن مصدر "الاقتدار" هو افتعال من القدرة، أي بلوغ الغاية في التمكن من الفعل وإحكامه، ليصبح المعنى الاستطاعة المطلقة التي لا يعتريها عجز أو ضعف فتدل على القوة والتمكن، عندئذ تكون القدرة هي بلوغ القوة على الشيء غايتها، ما يتضمن معنى السيطرة والإحاطة والتحكم في الأمور بحكمة وإتقان، فيبلغ التمكن من الشيء نهايته.
واستخدم مفهوم "الاقتدار الإسلامي" بأبعاده المتعددة، فتجاوز المعنى المادي الضيق للقوة إلى معنى حضاري ووجودي شامل، وأصبح جوهر الاقتدار وفعله الداخلي يستمد معناه من البعد الغيبي "العزة" المستمدة من الله، ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ، فحين يجسد الإنسان المؤمن عملياً العزة الإلهية في الواقع، "إنما العزة لله ورسوله والذين آمنوا" تتجلى (العزة) ببعدها المعنوي، وتصبح المحرك الأساسي للفعل الحضاري، لا مجرد رد فعل، مرتكزة إلى قوة المطلق، وترجع الآية القرآنية القوة جميعها إلى الله المطلق، "َإنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا"، هنا القوة ليست غاية في ذاتها، التي قد تؤدي إلى التخبط أو الاستبداد بالقوة، بل هي أداة في يد الإرادة الحكيمة، تضبط الاقتدار بآلية عقلانية يمكن اعتبارها "التدبير". وقد كشفت المقابلات الكيفية عن قدرة الأسر النازحة على مواجهة جملة تحولات هيكلية في البنية السكانية أدت إلى:
تغير الهرم السكاني: أدى الفقد البشري (الشهداء) والإصابات المستدامة (الجرحى)على الفئات العمرية الشابة المنتجة، فبرزت ظاهرة "تأنيث المجتمع" أو رعاية النساء بارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء نتيجة للحرب، وتأثير ذلك على سوق العمل والسياسات الاجتماعية.
العائلة الممتدة والروابط الأسرية والأهلية: تراجعت معدلات المواليد (نتيجة عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني)، وفي المقابل برزت ظاهرة الزواج والسكن مع الأهل، فضلاً عن تجمع عائلات مكتظة في منزل صغير مع تحمل هذه الأسر كل التحديات بصمود وثبات، ما يؤشر لعودة تقبل ظاهرة العائلة الممتدة بفعل ظروف النزوح، كما برزت ظاهرة التكافل المادي من الداخل والمغتربين.
تحدي جرحى تلبية النداء: 17 أيلول أي منذ يومين كانت الذكرى الثانية لجرحى" تلبية النداء" المعروف "بالبيجر"، هذه الجريمة الإنسانية التي لم يشهد العالم لها مثيل في التاريخ المعاصر، بالتوحش والسفالة، التي أدت إلى 12 شهيد (من نسار ورجال وأطفال)، وحوالي أربعة آلاف جرحى مدنيين (أطفال ونساء ورجال) أغلب الإصابات كانت فقدان البصر واليدين والحروق. وبعد عامين شكلت ظاهرة التعافي تحول مجتمعي في بيئة المقاومة باحتواء نتائجها الكارثية وتحويلها إلى فرص تنموية فاقت كل المخيل الإنساني في القدرة على التعافي بصبر وهدوء يعبر عن يقين ثابت من الصعب جداً استيعابه كما وصفها النائب طبيب العيون المسيحي " إلياس جرادي" الذي عالج مئات الحالات، وظهر على وسائل إعلام باكياً ومتأثراً بالهول الإنساني واصفاً ما جرى بأنه جريمة "صاغها عقل شيطاني". بالمقابل عبر جرحى تلبية النداء بعد عامين من التعافي عن احتضان بيئة المقاومة، من الأسر والأقارب والمؤسسات الإنسانية" مؤسسة الجرحى والأسرى" وهم يتحدثون عن تجربة جراحهم بالوسام الذي يستمدون منه القوة لمتابعة حياتهم.
التلاحم الوطني: أثرت ارتدادات النزوح من أقصى الجنوب (مناطق المواجهة) إلى أقصى الشمال (مناطق النزوح) الى تقارب بين بيئات متناقضة طائفياً ومذهبياً، فأسست صداقات اجتماعية جديدة بين أسر، بقيت تتواصل بعد عودة الأهالي الى بيوتهم في حرب "الإسناد" و"العصف المأكول"، في صورة مجتمعية تعبر عن تلاحم وطني حول خيار المقاومة.
استكمال الدراسة أونلاين: برغم غياب مسؤولية المؤسسات التربوية والتعليمية في حق النازحين في التعلم في السلم والحرب، شهدنا تكاتف جهود الأسر والجمعيات والمبادرات الفردية في استكمال الدراسة أونلاين معتبرين بأن التربية والتعليم هما جبهة أخرى للمقاومة والصمود.
استراتيجية الإيواء المشترك المحوكم: اعتمدت مراكز الإيواء في برنامج "صامدون" على وضع قواعد واضحة وصارمة للعيش المشترك، وحوكمة المساحات، توزيع المسؤوليات اليومية (الطهي، التنظيف، الحراسة) على الأسر، وفض النزاعات اليومية بمرونة، ما منع من انهيار الروابط الأسرية تحت الضغط. كما كان لتشكيل لجان التفاوض العائلية، وهي لجنة مصغرة من حكماء العائلة للتفاوض مع الملاك، أو البحث عن مراكز الإيواء الرسمية والخاصة، والتعامل القانوني مع عقود الإيجار لضمان عدم تعرض العائلات للنصب أو الطرد التعسفي في ظل الفوضى الحالية.
إعادة ترميم المبادرات الأسرية الاقتصادية شكلت عودة النازحين الجزئية إلى بيروت والضاحية الجنوبية والجنوب، بالرغم من استمرار التهديد والتوتر، دافع لإعادة بناء وترميم القوى الاقتصادية بمبادرات فردية أسرية، بالرغم من غياب مؤسسات السلطة اللبنانية الاقتصادية بشكل شبه كامل عن رفع الدمار وإيواء النازحين الذين تدمرت بيوتهم، والتعويض عن المؤسسات الاقتصادية، فكانت الأسرة هي المبادرة الذاتية، خرجت من تحت الركام، ونفضت غبار الدمار، حملت دماء شهدائها وجرحاها وانطلقت إلى جبهة الاقتصاد المقاوم، التي تعبره امتداد لجبهة المقاومة الميدانية وليس مفصول عنها، أو جبهة خلفية أو داعمة، هذا ما عبرت عنه النماذج الكثيرة التي يمكن الاطلاع عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعية، وسنعرض نماذج يمكن القياس عليها:
1. "نجوى غازي" ربة أسرة ومزارعة من بليدة: "كان عنا تعاونية زراعية وتدمرت، نحن مش معودين عبيروت ، قبعونا من شروشنا، نحن مزارعين منزرع كل شي ومنعمل مونة، اليوم عمنشغل بالبديل من الأسواق، رجعنا أنا وولادي لنشتغل بالمونة وما زلنا مستمرين."
2. "بيان طه" ربة أسرة وجريحة بيجر وزوجة شهيد: "أنا فقدت بصري، لكنني لم أفقد بصيرتي، مشروعي الاقتصادي بالأساس كان مبادرة زوجي الشهيد، وتدمر المشروع أكثر من مرة، وأنا عمبرجع رمم وأبني المشروع ورح نضل مكملين، أنا قلتلت أن الإصابة ما أخذت شي مني بالعكس، أعطتني القوة والإصرار لحتى كمل، صح عمعيش كل يوم بيومه، بس هيدا المشروع هو علاج نفسي وتفريغ، لأن عمعيش بقوة مش بانكسار، الشهداء راحوا لحتى نكمل مسيرتهم وتكمل الحياة، هاي منتوجات بتصنع بحب."
3. مهرجان برعشيت الزراعي: من تحت الركام تعود الأرض إلى الحياة أيلول 2026.
التحليل والمقارنة:
غياب مسؤولية السلطة المحلية: في ظل شبه غياب للسلطة اللبنانية في تحمل كامل مسؤوليتها تجاه دعم وحماية الأسر النازحة في الإيواء والطبابة بالحد الأدنى، يؤشر ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها النساء نتيجة للحرب، وقد برزت ظاهرة رعاية النساء، لوجود الرجال في الميدان العسكري، أو خارج مناطق الإيواء والنزوح، وتأثير ذلك على سوق العمل والسياسات الاجتماعية. تقوم الجمعيات الأهلية بمبادرات فردية، فيصبح "العمل المؤسسي العائلي" بدعم من الجمعيات الأهلية هو البديل لتوزيع الموارد المتاحة بعدالة وكفاءة.
دور المجالس البلدية: إن قيام البلديات المحلية للقرى الحدودية كما للقرى في مناطق النزوح والإيواء، بتنظيم منصات رقمية للتواصل مع الأسر النازحة، ومتابعة أوضاعهم، وتقديم الدعم المادي وإن كان زهيداً وفق ما تجمعه من التبرعات، عكس مبادرات التآزر والأخوة والتكافل المجتمعية، وشكل ظاهرة فريدة، في دعم شمل الأسر، وعزز ثباتهم وصمودهم.
الجمعيات الأهلية والحزبية والإقليمية: حضور هذه الجمعيات الحزبية "صامدون" والجمعيات الأهلية" وتعاونوا، بنين، رفه، فضلاً عن الجمعيات الإقليمية " العراقية " ومقارنته بما قدمته الوزارات الرسمية اللبنانية المسؤولة عن ملف الإيواء، لم تستغل كل إمكاناتها فكان دون مستوى الحد الأنى، ما يدلل على أن سياسة السلطة اللبنانية كانت تشكل ضغطاً إضافياً على مجتمع المقاومة للخضوع لسياسة السلطة في التنازل عن حق مجتمع المقاومة في مواجهة العدو الصهيوني وإلزامهم بسياق التفاوض المذل الذي كشفت عنه نتائج "اتفاق الإطار".
دعم مشاريع أسر اقتصادية "تعافينا": قد شهدت الضاحية أنشطة اقتصادية وترفيهية، نظمتها أسر تضررت مؤسساتها الاقتصادية البيتية من العدوان أكثر من مرة، وأسر جرحى البيجر، وفق شواهد حية، اعتبرت جميعها بأن ترميم مؤسسة الأسر الاقتصادية هو مقاومة للعدو الصهيوني وإصرار على البقاء والصمود والثبات في الأرض رغم الجراح والتهجير والاستبعاد القصري عن بيوتهم التي هدمت ومزارعهم التي جرفت وتشريدهم، وأكدوا على أن دعم اقتدار الأسرة يعكس ثقافة الحياة، فالشهداء بذلوا دمائهم لتكمل هذه الأسر طريق الحياة الطيبة في مواجهة الظلم.
أثار الفقد على تماسك الأسر: أن الضغط المالي والنفسي الشديد يؤدي تاريخياً إلى ارتفاع معدلات الخلافات الزوجية والتفكك الأسري، وبالرغم من أن الفقد قد خلف أثار نفسية واقتصادية واجتماعية، بفعل اللجوء المشتت، والضغوط الاقتصادية والنفسية قد يؤدى إلى تفكك الروابط الأسرية، إلا أننا شهدنا تلاحم وتآزر أسري، وبتعبيرهم بصبر استراتيجي، وبتعبير آخر بأن " النزوح هي جبهة متقدمة في المقاومة وليس فقط داعمة للمقاومة"، معتبرين أنهم يدافعون عن حقهم في أرضهم ومقدراتهم، والصمود أمام الاستكبار العالمي الصهيوني الأمريكي هو بالثبات في هذه الجبهة الذي تم التعبير عن بالصمود الأسطوري لكثرة تحدياته.
تهديد الهوية الجمعية المقاومة: أدى البند (13) من الاتفاق الإطاري لعام 2026 على تعليق الإجراءات القانونية والملاحقات المتبادلة في المحافل الدولية طوال فترة المفاوضات، إلى غياب استنكار قانوني من السلطة اللبنانية لردعه، من تدمير قلعة الشقيف وغيرها من المعالم التراثية التاريخية العاملية التي دمرها، وفجرها، والتي هي ليست مجرد حجارة تاريخية صامتة ، فهي الشاهدة على قتال وصمود "الشيخ ناصيف النصار العاملي" في مواجهة الغزو الغربي، ففي الحقيقة هي ذاكرة جماعية شاهدة على تاريخ المجتمعات ومسارها الثقافي والاجتماعي المقاوم، ويسعى العدو بمحوها عن الخريطة الجغرافية أن يمحو تاريخ جبل عامل المقاوم للأجيال ما يهدد الهوية الجمعية لشعوب المنطقة.
توصيات:
حوكمة السكان لإعادة الإعمار الديموغرافي:
اعتماد التقنيات الذكية لتسريع عملية إعادة الإعمار الديموغرافي في المناطق التي ستحرر من الاحتلال الإسرائيلي باعتماد الخطوات التالية:
• السياسات الرقمية لإدارة السكان: استخدام البيانات الضخمة Big Data) والذكاء الاصطناعي لتوثيق السكان وإعادة توزيع الخدمات. والتحول الرقمي في التوثيق العقاري في توصية بإنشاء منصة رقمية موحدة تعتمد تكنولوجيا البلوكشين (Blockchain أو السجلات المشفرة لحفظ حقوق الملكية والأحوال الشخصية لأسر جنوب لبنان التي فقدت وثائقها الرسمية.
• حوكمة مرنة للتنمية المحلية: تفعيل دور اتحاد البلديات وتطوير الشراكات بين الإدارات المحلية والمنظمات الدولية لإنشاء "وحدات التدخل الديموغرافي السريع" لمواجهة النزوح أو تنظيم العودة. من خلال حوكمة معرفية بالربط بالمصادر البديلة، فنظراً لغياب السلطة المحلية، يتولى مجلس الأسرة أو قادتها البحث الممنهج والتواصل مع المنظمات غير الحكومية الدولية (الإقليمية العربية والإسلامية) والجمعيات الأهلية لتأمين تنمية مادية للبنى التحية المعيشية بعد تدمير العدو لكل مظاهر الحياة في الجنوب لتأخير العودة، وتنمية معنوية بالاستشارات النفسية المجانية والمساعدات الطبية والغذائية بطرق منظمة بدلاً من الانتظار العشوائي.
• الاستثمار في رأس المال البشري الناشئ: صياغة سياسات تعليمية وصحية موجهة للأجيال التي عاشت الحرب، ودعم وتفعيل الجمعيات الناشطة في المجال النفسي والاجتماعي لإعادة تأهيل المتضررين من عوائل الشهداء والجرحى، وكل فئات المجتمع، لتجاوز ارتدادات الحرب وحماية جيل الحرب فكرياً وثقافياً (جزء من الحرب الإدراكية) من استغلاله وتحويله إلى "جيل ضائع".
• تفعيل وساطة الحكماء (مجلس العائلة) بخطة طوارئ لوجستية موحدة: إرساء قواعد مسبقة تقضي بعدم اتخاذ قرارات مصيرية (بيع الأصول بأسعار بخسة تحت الضغط،) بشكل فردي وانفعالي. يتم الرجوع لـ "مجلس العائلة" لتحكيم العقل وتقديم المشورة المتزنة. كما وضع بروتوكول بالتعاون مع المجالس البلدية متفق عليه سلفاً بين أفراد الأسرة في حال تدهور الأوضاع الأمنية فجأة (تحديد أماكن الالتقاء، طرق التواصل البديلة، الحفاظ على المستندات الرسمية والأوراق الثبوتية وحوكمتها في مكان آمن وموحد) لضمان عدم تشتت الأسرة وفقدان الاتصال بها، وحفظ حقوقها المدنية والوطنية.
حوكمة الأسرة الرعائية: "اقتدار الأسرة"
الاقتدار الأسري هو قدرة الأسرة كمنظومة متكاملة على توظيف مواردها، وإمكاناتها، ومهارات أفرادها الذاتية لمواجهة التحديات والأزمات، وإدارة شؤونها بكفاءة، بما يضمن تحقيق الاستقرار النفسي والاقتصادي والاجتماعي وتلبية احتياجات أفرادها المستمرة. والاقتدار الأسري في كل مجتمعات العالم يرتكز على عدة مرتكزات أساسية: منها الكفاءة الوظيفية، أي مدى نجاح الأسرة في أداء أدوارها التربوية والرعائية، إلى جانب المرونة والتعافي، أي حراكها الدينامي بالقدرة على التكيف مع التغيرات والضغوط والتعافي من الأزمات، فضلاً عن الاستقلالية، التي تسهم في الاعتماد على الذات في اتخاذ القرارات وحل المشكلات الداخلية. إلاّ أن الأسرة في مجتمع محور المقاومة قد تفردت بقوة معنوية فاقت كل الحسابات الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، حتى وصفت بالقوة الأسطورية في الصمود ومواجهة تحديات الحرب والعدوان. هذه القوة المعنوية مستمدة من الارتباط بالقوة المطلقة "الله تعالى" والتوكل عليه، فهو بدأ البشرية بأسرة وختم الدعوة المحمدية بالأسرة الكربلائية ليكون الدافع الأول والمقوم الأساس في بناء مجتمعات الحضارة.
بالتالي الوصية والأبرز هي دعم الأسرة من المؤسسات الحكومية والمدنية والأهلية لتتمكن من القيام بكل وظائفها الطبيعية لبقاء استمراها وديمومتها، التي بها يستمر بقاء المجتمع والوطن، وبقاء الهوية الوطنية والقومية والدينية، فهي ليست مجرد إطار اجتماعي لأفراد تجمعهم مصالح مشتركة وصلة قرابة، بل هي منظومة اجتماعية ونفسية وتربوية متكاملة وشاملة وصمام أمان لحفظ الأمن القومي الاجتماعي، بالتالي تشكل الأسرة مقوم قوة من مقومات الصمود في حسابات مقومات الدول، ودعمها قانونياً ودستورياً يساهم في تأدية الأسرة حوكمة الموارد وإدارة التكافل المالي لمواجهة البطالة والتشرد، التي نوصي باعتماد الخطوات العملية التالية:
• تأسيس "صندوق الطوارئ العائلي الممتد: لا تقتصر الحوكمة هنا على الأسرة الصغيرة، بل تمتد لتشمل العائلة الكبيرة (الأقارب، المغتربين). حيث يتم إنشاء صندوق تبرعات وإعانات محوكم بآليات واضحة لتوزيع الأموال على الأفراد الأكثر تضرراً (مثل دفع إيجارات بديلة للأسر التي فقدت مأواها أو تأمين المعيشة الأساسية للعاطلين عن العمل، وتأمين الأدوية، وحاجيات الأطفال من حليب وغيره).
• حوكمة الإنفاق والاستهلاك بالاقتصاد المقاوم: وضع ميزانية تقشفية صارمة وموحدة داخل الأسرة النازحة، وتحديد الأولويات القصوى (مسكن، طبابة، غذاء) والابتعاد عن العشوائية في الصرف لتمديد القدرة المالية على الصمود لأطول فترة ممكنة.
• شبكة التوظيف العائلي والمجتمعي: تطبيق مبدأ حوكمة العلاقات لإيجاد فرص عمل بديلة أو مؤقتة داخل شبكة العائلة الكبيرة أو عبر معارفها لمن فقدوا وظائفهم بسبب دمار مصالحهم في مناطق الحرب.
• برامج دعم الاقتدار الأسري: تصميم برامج دعم اقتصادي تستهدف مباشرة الأسر التي تعيلها النساء في الجنوب لإعادة إدماجهن في الدورة الاقتصادية المحلية وتسهيل قوانين خاصة بعمل النساء لحماية ارتدادات عمل المرأة من التفكك الأسري. ومأسسة الدعم النفسي داخل الأسرة بتطبيق الحوكمة في الجانب المعنوي يعني وضع "نظام رعاية يومي". يتولى الأفراد الأكثر تماسكاً عاطفياً في العائلة قيادة لجان مصغرة للاستماع، ومتابعة الأطفال، ومحاولة خلق بيئة مستقرة (حتى داخل مراكز الإيواء أو البيوت المستأجرة) لتخفيف آثار الصدمات، فالاقتدار الأسري لا يقوم إلاّ بشقيه المادي والمعنوي.
خلاصة
العدوان الصهيونية الأمريكي الحالي يجسّد الاستراتيجية الإسرائيلية لمشروع استيطاني توسعي يستلهم منطق الاستعمار القديم، ويعمل على فرض هندسة منطقة غرب آسيا بنظام ديموغرافي جديد للمنطقة بعد حرب رمضان. وتسعى هذه الاستراتيجية الإسرائيلية لاستغلال السلطة اللبنانية في محاصرة مجتمع المقاومة وتقليب الأسر عليها لكنها فشلت، وشكل رفض الكيان المؤقت للحلول التفاوضية فضح جديد لأهدافه التوسعية، ما يعزز سردية المقاومة كخيار وحيد، وتبرز الأسرة كمدافع وطني أول، تربي وتصدر المقاومين، ما يرفع من شرعيتها الشعبية واتساع وظائفها.
هذا الواقع السوسيولوجي المُعاش في جنوب لبنان، يلخص كيف تتحول الأسرة من وحدة اجتماعية متأثرة بالحرب إلى فاعل استراتيجي يقاوم تداعياتها، لتخلص هذه الدراسة إلى أن الأسرة في جنوب لبنان لم تعد مجرد ضحية سلبية للحروب والأزمات المتلاحقة، بل تحولت إلى مؤسسة استراتيجية مرنة قادرة على ابتكار آليات صمود ذاتية. والقرآن يوجب إعداد القوة المادية المتاحة "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"، لكن دون الاعتماد عليها وحدها.
بالتالي القوة والضعف في المنظور القرآني يتحركان وفق كفاءة مجتمعية وأخلاقية؛ فالعدل والإيمان وإعداد المستطاع يرفع المستضعفين، بينما الظلم والبطر والفساد يهوي بالأقوياء. وقد أثبتت النتائج أن توظيف الحوكمة الأسرية—بما تتضمنه من تنظيم للأدوار، وإدارة رشيدة للموارد المتاحة، وتفعيل قنوات الحوار واتخاذ القرار الجماعي—يمثل الركيزة الأساسية لبناء الاقتدار الأسري. هذا الاقتدار لا يشكل مجرد استجابة مادية طارئة، بل يبرز كـمقوم قوة معنوي ونفسي عميق الأثر، يمد أفراد الأسرة بالتماسك والصلابة في مواجهة الصدمات. وتكتسب هذه الحوكمة أهمية مضاعفة بالنظر إلى طبيعة التحديات الراهنة في جنوب لبنان، وعلى رأسها التغيير الديموغرافي القسري الممتد.
ففي ظل النزوح المستمر، واهتزاز البنى الاجتماعية التقليدية، وغياب الدعم المؤسساتي المستدام، نجحت الحوكمة الأسرية في إعادة إنتاج الهوية الجمعية وحماية النسيج القيمي للأسرة. إن هذا الصمود المعنوي والمادي يُثبت أن تحصين المجتمع يبدأ من تحصين نواته الأولى؛ حيث تمكنت الحوكمة من تحويل التشتت الجغرافي القسري إلى مساحة لإعادة تنظيم القوة وإدارة الأزمة بكفاءة.
ختامًا، توصي الدراسة بضرورة الانتقال من مقاربات الإغاثة الإنسانية التقليدية إلى مقاربات التمكين المؤسساتي للأسرة، من خلال وضع سياسات وبرامج تنموية تدعم "حوكمة الأسرة واقتدارها" كأداة دفاع اجتماعي وخط دفاع أول في المشروع الحضاري النهضوي المقاوم. فالاستثمار في قدرات الأسرة التنظيمية والمعنوية هو الضمانة الحقيقية لمواجهة التداعيات بعيدة المدى للحرب، وللحفاظ على التجذر السكاني والاجتماعي في وجه محاولات التغيير الديموغرافي التي يفرضها المشروع الاستيطاني التوسعي "إسرائيل الكبرى" في منطقة غرب آسيا.
لتحميل الملف PDF اضغط هنا.





تعليقك